عبد الرزاق عيد للأيام: طلب ترامب إقامة منطقة آمنة هو بمثاية احتقار للطرف الروسي والإيراني

 

خاص|| إعداد: أحمد عرابي

اندلعت  شرارة الربيع العربي في دولة تونس العام 2011 والتي تسببت بانهيار نظام الحكم في البلاد أثنائها، ولم تتوقف كرة الثلج بل استمرت بالدوران لتعلن انطلاق مرحلة جديدة لعدة بلدان عربية كان على رأسها “مصر وليبيا واليمن وسوريا”، ستة أعوام مضت من عمر الربيع العربي تضاربت الآراء خلالها ما بين مؤيد لفكر التغيير وبين معارض أو متخوف من السير نحو المجهول.

أطيح بنظام الحكم في تونس وتمكن الشعب التونسي من تغيير الحكم بطرق سلمية بعد فرار “بن علي” على إثر مظاهرات واحتجاج مدني واسع في البلاد، لتنتقل شرارة الثورة الى “مصر” التي ما تزال تشهد آراء متضاربة حول من يرى أنها حققت مبادئ ثورة الخامس عشر من أكتوبر وبين من يرفض الانقلاب الذي أطاح بالرئيس المنتخب “محمد مرسي” ويتم تسليم السلطة في البلاد لحكم العسكر بقيادة الرئيس المصري الحالي “عبد الفاتح السيسي”

ولعل النهاية الكارثية الرئيس الليبي السابق “معمر القذافي” بعد اندلاع الحرب في البلاد كان له الصدى الأكبر في صدى ثورات الربيع العربي، قبل أن يفاجئ المتابع لمسار الربيع العربي بما حصل من تداعيات على الساحتين اليمنية والسورية واللتان تستمر بهما الحرب منذ انطلاق رياح التغيير في بداية العام 2011وحتى يومنا هذا.

وحول موضوع “الربيع العربي” ونتائجه وتوقعات مستقبله كان “للأيام” لقاء حواري مطول مع المفكر والباحث السياسي “د.عبد الرزاق عيد”  رئيس المجلس الوطني لإعلان دمشق في المهجر والى التفاصيل:

بدايةً كيف تقييم ما آلت إليه الأمور فيما يسمى “ثورات الربيع العربي”؟

أقيم المرحلة الحالية بأن “ثورات الربيع العربي” تعيش في مرحلة انكفاء تام، أمام ما تسمى بالثورات المضادة المدعومة من قبل الدول القلقة من مستقبل الحرية، واستفاقة الشعوب العربية تخوفا من احراز تغييرات جذرية قد تتسبب بمرحلة ما بالإطاحة برؤساء وأنظمة حكم دكتاتورية استبدادية.

وبالتالي نحن أمام حالة تسمى” المتشائل” هذه الكلمة التي أطلقها أحد الروائيين الفلسطينيين، والتي تقع ما بين التفاؤل والتشاؤم، فنحن ضمن مرحلة تشاؤم في الوقت الراهن نظراً لمرحلة الانكسار المترافقة مع الهجمة التي تقوم بها قوى الثورات المضادة، إن كان على المستوى الداخلي أو الخارجي العالمي، حيث تم التكاتف بشكل غير مسبوق لدعم مثل هذا النظام البربري “الأسدي” من قبلها، وخلال دراستي سابقاً في فرنسا كنت أستبعد تماماً أن تقف المجتمعات الغربية مع هكذا نظام شمولي هجر وقتل الكثير من شعبه.

ولكن نحن ننظر الى الزاوية الإيجابية لمبادئ ثورات الربيع العربي والتي سمحت لأول مرة للشعوب بتقرير مستقبلها وتدخل التاريخ بهذا التغيير المفاجئ.

هل كانت تلك “الثورات” لحظة تاريخية لتحريك “الفكر العربي” أم أنها قد عززت جموده؟

بالحقيقة عبرّت “ثورات الربيع العربي” عن ايقاع عالمي جديد، يتمثل بولادة جيل جديد مختلف نوعياً، فبحسب تاريخ الثورات على سبيل المثال الثورة الرأسمالية ترافقت مع صناعة الالة البخارية، وثورة اكتوبر ترافقت مع صناعة الحديد والسكك والمواصلات، فإذا ما نظرنا من هذا المنظور نجد أن الثورات العربية هي معادل رمزي وثقافي سمحت بدخول العقل العربي الى فضاءات العولمة الثقافية، وانطلاقا من هنا أرى أن التوجه الخطابي لجيل الشباب يجب أن يكون تعبوي وتحشيدي، فأنا لدي قناعة بان “الثورة المعلوماتية” بنية ومنظومة العقل العربي غير قادرة على استيعابها، وتمثلها لدى الجيل السياسي الذي يسود في الساحة العربية إن كان يميني أو يساري علماني أو إسلامي، فقد وصل الفكر العربي بكامله الى حالة استعصاء تاريخي غير قادر على مواكبة الثورات الصناعية والتقنية وخصوصا المعلوماتية منها، بحيث نشهد الأن بأن المرحلة السابقة تعدت جميع الحواجز العلمية من حيث المبدأ.

وبالتالي نحن لا يمكننا سوى أن نكون متفائلين بالجيل الجديد الصاعد الذي استطاع تغيير الواقع ضمن ارادة واضحة تحدى بها جميع المراهنات التي تحدثت عن افشاله.

كيف ترى تعاطي تيار “الإسلام السياسي” مع تلك “الثورات” وتأثيره عليها وعلى مستقبل دولها؟

نحن نؤكد دائما على البنى الذهنية لجيل الشباب باختلاف انتماءاتهم ،على أن يرتقي فكريا ومعرفيا من خلال فهم قضية الحرية بمفهومها وعمقها الفلسفي، بعيداً عن التجميلات السياسية التي تتحدث عن “المواطنة” والتي تحول الفكر الشبابي الى مجال أخر بعيداً كل البعد عن الجوهر لمعنى “حرية الأفراد والشعوب عامة”، وعليه يجب عدم الخلط بين الدين والسياسة لان روحانية الدين لا علاقة لها بالسياسية، فالدين يتطلب الإيمان والسياسة تتطلب الفكر، وعليه فنحن الأن في مرحلة انحطاط كبيرة اذا ما قورن الوضع الحالي بـ “القرن الرابع هجري”  الذي يعتبر عصر النهضة الإسلامية.

وهنا يجب أن لا نغفل عن وجود جيل جديد يتمتع  بالفكر المنفتح والذي نشاء خلال العشر أعوام الماضية ضمن نسب المجتمع السوري وتحديداً مواليد الثمانينات، حيث نجد ما يقارب 5 ملايين شخص بين حملة شهادات وطلاب جامعيين منهم، فهذه النسبة كان النظام مُتَنبهٌ لها عن طريق المخابرات وشعر بأن الخطر سيأتي من قبلهم، فكانت ممارسات قوات الأسد بحق هؤلاء عندما خرجوا بصدور عارية بداية المظاهرات بأن قوبلوا بالرصاص، وتم اخراج المعتقين الذين هم أبعد ما يكونوا عن الإنسانية من أجل سحق هذه الطبقة من المجتمع الرافض لفكر البعث ومنهجه، وعليه فقد حسم الأسد أمره بضرورة انهاء هذه الظاهرة التي ولدت من وراء ظهر السلطة والمجتمع السياسي في البلاد.

فالمعارضة الإسلامية والعلمانية التي كانت موجودة قبل اندلاع الثورة في سوريا لم تساهم بصناعتها وإنما كان الجيل الجديد هو الفاعل على الأرض، نظراً لعدم قدرة جهاز المخابرات على معرفة خلفياته السياسية والفكرية والتنبؤ بها.

والمرحلة التي وصلنا اليها الآن حساسة حيث لا يمكننا العودة لخط الصفر، إذا ما اعتبرنا أن الأسد ونظامه هو مرحلة الصفر فالشعوب لا يمكن أن تعود للوراء لأن الشعب دفع اتاوات التاريخ ودفع الكثير للأسف من تضحيات، وعليه فلن نتقبل هذا النموذج الأسدي المخابراتي بأي شكل من الأشكال.

ماهي رؤيتكم الشخصية لمستقبل سوريا في ظل تصفية الحسابات الدولية على الساحة السورية بعد اجتماع الاستانة؟

ضمن المسار الجديد هذا هناك محاولة من قبل المنتصر الروسي لفرض شروطه على الجميع،  و هي حالات سياسية أشبهها بالكثبان الرملية المتحركة، كما أنه يوجد نوع من الاستعلاء لاستعادة هيبة أمريكا في المرحلة الحالية بعد طلب “ترامب” الأخير بإقامة منطقة أمنة في سوريا، وهي تعتبر بحسب رأيي “ردة فعل احتقر من خلالها الروس والإيرانيين” في آن معاً فجميع الأطراف تحاول اعادة تموضعها في مكان يعتبر هو الكاسب الأكبر على الساحة السورية.

ومستقبل العلاقات من الصعب التنبؤ به نظرا للمرحلة الأمريكية الجديدة لأننا نحتاج لوقت حتى معرفة المسار الذي ستنتهجه ادارة “ترامب” في المرحلة الزمنية المقبلة.

وختاماً نحن من منظورنا الوطني نجد ان التحالف الروسي التركي سينعكس على الساحة السورية وبالتالي فأنا لا أثق سوى بحركة ديمقراطية وطنية حرة “مستقلة المرجعية” لا تتبع لأي دولة، و يجب أن تكون صاحبة استقلالية في القرار المدني والعسكري والسياسي، وفي النهاية لا يوجد أي شعور بالأمان في المستقبل إذا ما تم التوصل الى اتفاق يقضي ببقاء الأسد على سدة الحكم في سوريا، لا سيما بان التدمير الذي أحدثه الأسد على مختلف المستويات الفكرية والأخلاقية و الإنسانية لا يقل عن قنبلة هيروشيما بل كان أشد منها بكثير وأنا ضد أي فكرة للتحاور مع نظام الأسد وإنما يتم الحوار بين مكونات الشعب السوري بعد رحيله عن السلطة.

وكل التعويل سيكون مرتبط على جيل ثورات الربيع العربي الذي يتمتع بالبعد التاريخي والقوى النوعية الجديدة لجيل جديد، جيل المعرفة والمعلوماتية لا سيما بعد ان نجح بفتح الأفق أمامه على الرغم من كل التحديات الإقليمية والدولية من اجل بناء سوريا الحضارية.

 

 

 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend