أمريكا وتعزيز العدِاء..بقلم فرات الشامي

خاص: فرات الشامي

ليس وجه أمريكاأكثر وضوحاً من اليوم، وليس ثمة ما يشكك أنّ التغير في الخطاب الأمريكي غير متوقع، إن فهم المرحلة التاريخية التي تمر على المستوى السياسي والدولي، والأهم الميداني، وبالتحديد في منطقة الشرق الأوسط، ومجريات التحولات الميدانية في سورية، التي انتفضت ضد نظام الأسد، وتحول مسار الثورة السلمي نحو العسكرة التي فرضها الأسدوحلفاؤه، ومن ثم دخول الخطاب والتوجه العقائدي الشيعيوالذي تم مجابهته بخطاب آخر سنّييفرض على الولايات المتحدة أن تكشف اللثام عن وجهها المعادي للعرب عموماً والمسلمين على وجه التحديد.

مواربة أمريكا في خطابات من تقلد سدّة الإدارة الأمريكيةخلط الأوراق لزمنٍ بعيد، حتى غاب عن العالمالعربيحقيقة العلاقة مع هذه الدولةوسياساتها التي بقيت خفيةبالنسبة للشعوب، واضحة للمرتزقة من حكامالعرب“.

الصداقة العربية – الأمريكية لطالما كشفتها مواقف الإدارة الأمريكيةالمتعاقبة اتجاه القضية الفلسطينية، وقضايا العرب والمسلمين على وجهٍ خاص، غير أن تعاميالساسة عربياً ورضوخهم ظل يكذّب ذاك العداء.

التجربة العراقية وإطلاق يد إيرانومشروعها يشهد بما لا يدع مجالاً للشك خطورة الدور الأمريكيفي المنطقة.

الإدارة الجديدة اليوم بقيادة ترامبسوف تحرج الحكام العرب أمام شعوبهم المسلمة، كما أنها سوف تحرج دولاً أخرى، نتيجة خطاب الاستعلاء الذي قدمه ترامبأثناء تأديته اليمين الدستوري.

يبدو من خلال قراءة متأملة ومتأنية لخطاب ترامبأن العالم مقبل على منعطف خطير، ومن يدعي أنّ الرجلأحمقفهو بعيد عن الصواب، أمريكا كانت ولا تزال دولة مؤسساتتقودها رؤية بعيدةوفق منهجية محددة واضحة، وسياسات خارجية أكثر وضوحاً، فهي محكومة بمجموعة من المصالح التي لن تتخلى عنها إلا في حال أثرت سلباًعلى الدولة الأمريكية، وهذا بدا واضحاً في خطاب ترامب“.

بالمقابل ماذا يمكن أن نفهم من عبارات ترامبالتي أطلقها، بدايةً من شعار حملته الانتخابية لنعيد عظمة أمريكا”وصولاً إلى خطاب القسم “أمريكا أولاً”؟!

الخطاب عدائي بكل المقاييس والأعراف والبروتكولات الدبلوماسية التي يبدو أن الرجل يوحي أنه يفتقدها، وحتى نكون عادلين في توصيف الخطاب، فالرجل منطقي في بحثه عن مصالح شعبهوهذا محسوبٌ له، وهي نقطة يحتاج لفهمها سياسيو وحكام العربوقبلهم من يسمي نفسه مدافعاً عن الثورة السورية، أولئك الجالسون في رخاء الفنادقعلى حساب المقيمين في الخنادقتحت مرمى نيران أمريكاوغيرها.

لقد عزز الخطاب الذي ألقاه ترامبمن حدّة العداء لـأمريكامن طرف المسلمين، نحن هنا لا نقرأ الخطاب على أنه يختص بالتطرف الإسلامي _إن وجد_ وإنما نفهم منه إعلان حالة حرب على الإسلاموالسماح لظهور ردة فعل إرهابية أو متطرفة” _أياً كان التوصيف_ تقابل هذا الخطاب، على مبدأ الفعل ورد الفعل“.

جورج بوش الأبن بعد أحداث سبتمبر أعلنها حرباً شاملة بحجة القضاء على الارهاب والسلاح النووي العراقي، واليوم أخذت ذات الشكل، وتجربة الشعوب العربية مع هذا الخطاب وسياسة الكيل بمكيالين تؤكد صحة كلام بوشوإمكانية تطور الأمور داخل المجتمع الأمريكينحو تصادم محتمل قد تفرضه إدارة ترامب“.

أمريكا لم تواجه التطرفبل وضعت جميع من يحمل الجنسية العربيةفي هذه الخانة، وتجاهلات تماماًتطرف الصهاينةوممارساتهم، وهي اليوم تبدو أكثر وضوحاً في انتهاج ذات السياسة.

متابعة خطابات هتلروعنجهيته تشابه اليوم تماماً ما حصل في الولايات المتحدة الأمريكية، مع فارقٍ واحد، أنهتلرحمل عداءً حتى لـاليهود، على عكس ترامبوهذا ما يعزز فرضية نجاح هذا الأخير ومساندة اللوبي الصهيوني له.

في كلام ترامبتبدو الأمور على أنها تحمل بوادر حربٍ بعيدة الأمدمع المسلمين، وبطريقةٍ مجنونةكما توحي تصرفات ترامبوبدلالة كلماته مثل: ((باختصار علينا أن نفكر بعنجهية ونحلم بعظمة )).

التوقعات كثيرة، والاحتمالات مفتوحة، ميدانياً ثمة فصائل ترحب بالحرب مع ما يسمى العدو الأمريكي، بالمقابل على الأرض ثمة من يجد في أمريكاالمخرج من الحالة السورية باتجاه فرض دولة الديمقراطيةحتى وإن كانت على المقاس الأمريكي، لكنها خيرٌ من القياس الروسيأو الإيراني“.

محلياً، الناس لا تهتم بخطاب ترامبثمة فقط من ينادي أوقفوا الحرب، أو اتركوا السماء صافية“.

تلك النداءات الإنسانية التي يفهمها أبناء سوريةولم ولن تصل إلى العالمحتى يشبع المجرم _إن شبع_ من دماء الأبرياء.

ثورياً، الصورة قاتمة للغاية، ولا يمكن المراوغة والحديث عن أمل، فالحالة الثوريةتقول أن الخطاب الوطني الداخلي مفقود، وأن النخبة المثقفةلا تزال ترعى في أحضان الكازينوهات والمطاعم تتفرج على الشاشات وتحلل منظر الدماء.

أمريكا باختصار تعزّز سياسة الاستعلاء والعنجهية وتتحول مع ترامبإلى حالة التياسةالواضحة في صورة هذا الرئيسالذي يذكرني بكلام محمود درويش“:

سقط القناع عن القناع“.

ملاحظة: التياسة مصطلح عربي فصيح أم لا لم أقف عنده، لكنه يشفي الصدور، وكما يقال العلم بحر، والتياسة محيطات“.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend