عائد من جهنّم.. ذكريات علي أبو دهن (24)

ذكريات من تدمر واخواته، باب الهجرة الى الجحيم: من بيروت الى السويداء.

——117——

قال: سأعود بعد ثلاث ساعات لأجمع التواقيع. وغادر الغرفة. لم نتكلم لمدة ساعة أو أكثر.
كيف نكتب بالدم وبالروح لهذا الرجل الذي سجننا وأذلنا وأهاننا وحقرنا وضربنا وشتمنا…
كان هذا انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان. لم يتركوا وسيلة ممكنة إلا وجربوها بنا. ماذا سنكتب له؟ شكرا؟! عزاء أم شتائم؟ وفوق ذلك بدمائنا. هذا غير معقول. ولكن في النهاية قررنا أن نكتب وإلا تشطب أسماؤنا من الجنة وترسل إلى جهنم. أي بصريح العبارة من الضرب والعقاب المستمر إلى الموت. اجتمعنا نحن المتعلمين لصياغة مسودة صغيرة قدر الإمكان كي لا يزهق دم نقي طاهر في سبيل قضية نكرة.
بدأنا بالتداول: <<سيادة المناضل الباسل الرئيس العربي الأول حافظ الأسد حفظك الله درعا وسد امنيعا للعروبة. نبايعك رئيسا أبديا لسورية الأبية التي وبفضلك أصبحت حصنا منيعا للقوة والعنفوان و الرجولة… وبفطنتك وبدعمك المستمر لبلدنا لبنان عاد سيدا حرا مستقلا. نعاهدك على المضي قدما في برنامجك السياسي الأبي. أدامك الله يا سيادة الرئيس المبجل>>
وهذه هي الصيغة التي قدمناها إلى حضرة مدير السجن العسكري في تدمر، وكتبها طبعا كل سجين بدمه وذيل توقيعه عليها… لم تصل إلى المدير، مزقت أمامنا. بل قال الرقيب: يا (..) صدقتوا إنو الرئيس عايز توقيعكن ليجدد ولاية جديدة كان بدنا ننشف دمكم أكثر ماهو ناشف.

——118——

جدد للرئيس مرة ثانية ونحن نكتب بدمائنا وذهبت كل التواقيع والرسائل في مهب الريح، و << عيشي يا عروبة >>!
الموقوف اللبناني علي أبو دهن
طلب استرحام
السجن العسكري الأول صيدنايا، حضرة العقيد مدير السجن العسكري الأول الموقر، المآل ( الموضوع ): طلب السماح لعائلتي بزيارتي.
الموقوف اللبناني: علي أبو دهن، ط 3، جناح أ، يمين سيدي العقيد، منذ توقيفي بتاريخ 1987/12/28 ولغاية اليوم تاريخ 1992/12/1 لم يسمح لعائلتي بزيارتي، علما أنني مشتاق لرؤيتها ولمعرفة مصير أطفالي وزوجتي وكيف تسير أمورهم، كما أريدإعطاء زوجتي توكيلا عاما تستطيع بواسطته سحب أموال من البنك وبيع ما تريد لإعالة العائلة لأنها اصبحت مولجة بكل كبيرة وصغيرة. وفوق ذلك أعلمكم بأنني أريد مساعدتهم لأنني مريض وأعاني من الروماتيزم وديسك في ظهري وقرحة معوية وأحتاج إلى الدواء والفلوس.
سيدي، أناشدكم بحياة الرئيس حافظ الأسد المفدى أن تساعدوني، علما أنني حسن السيرة والسلوك.

——119——

وفي الختام لسورية العظيمة كل الهيبة والعزة.
الموقوف اللبناني علي أبو دهن
التحويل إلى صيدنايا
في تدمر كنا مغيبين عن العالم الخارجي. أما في صيدنايا فالأمور كما سترى اختلفت تماما.
في صباح أحد أيام آب من عام 1992 فتح باب السجن، وكانت الساعة السابعة… فوجئنا، إذ لم يكن ذلك ليحدث إلا في حالات ثلاث: محاكم، أو إعدام أو إفراج.
ضم مهجعنا في ذلك الوقت 65 معتقلا، بينهم ستة لبنانيين. أما فإما لبنانيون من أصل سوري أو سوريون بتهم مختلفة.
وصاح مساعد الشرطة المناوب:
– الجميع يسمع! ويلي بيطلع إسمو، يذكر اسم أمه ومكان ولادته فورا…
بدأت الأسماء تتوالى: مصطفى، يحيى ريمون، محمد، نزار بالع الفأرة… توقفت أذناي عن السمع، لم أعد أعي ما يقوله الرقيب، فبدأ قلبي يدق بسرعة هائلة: الأسماء كلها لبنانية، ولم أسمع اسمي… أكاد أسقط أرضا… هذا اسم… و آخر… ساعدني يا الله… انتشلني من هالضيقة… دخلك ياربي شو عامل لهيدا العقاب؟ يا رب… ثم جاء اسمي، علييييييييي.
تنفست الصعداء وربما كان هذا أسرع طلب لي يستجاب من الله.

——120——

كنت في حينه رئيس مهجع، فتوجه إلي المساعد قائلا:
– زمطت يا عكرو… جهز الجميع خلال عشر دقائق و أنهوا علاقتكم بالمهجع.
أحسسنا بأنها ساعة الحرية، إذ لم يضرب أحد وتكلم الرقيب بروية وهدوء.
وهذه من سمات الحرية.
اجتمعنا في المهجع الرقم 15 وإذا بي بحضرة ستين سجينا لبنانيا لم أعرف منهم أحدا غير واحد
ففي تدمر كنا نجهل مكاننا نحن، فكيف إذا كان الأمر سجينا في الغرفة المجاورة؟!
بدأنا بالتعاون تمهيدا لكسر شوكة الخوف، فعلى الأقل نحن نغادر تدمر، وهو ليس بالأمر السيء على الإطلاق. سمحنا لأنفسنا ببعض المخالفات الصغيرة، وقد وجد بيننا من أذنوا لهم بتربية شعورهم وشواربهم. فرأيت وللمرة الأولى منذ أربع سنوات، شعرا طبيعيا… فمررت بيدي فوقه لأتحسس ملمسه. وحذا بعض زملائي حذوي. علمنا منهم أنهم كانوا في الباحة الخامسة وكان يسمح لهم بالعمل اليدوي وبيع منتوجاتهم ومقاسمتها مع إدارة السجن وأن وضعه كان جيدا جدا.
كان الجميع من لبنان، ومن قراة المتعددة: الجنوب، حاصبيا، النبطية، صور، بنت جبيل، البقاع، زحلة، عزة، جب جنين، بكفيا، الشمال، طرابلس، عكار، جبل لبنان، عالية، بيصور، إغميد بيروت، سن الفيل، المصيطبة، النويري، برج حمود، وغيرها.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend