روسيا انكفاء المنهزم أم انسحاب المنتصر

بقلم: د. نصر فروان –

البعض تفاجأ من قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسحب بعض قواته من سورية، لكن البعض الآخر الأكثر معرفة بالمسالة السورية وبمحطات التاريخ لم يتفاجأ بل كان القرار متوقعاً ومؤكداً .وهو تجسيد و نتيجة طبيعة لمقولة أن الشعوب لا تقهر . وجيوش العالم كلها لا تستطيع أن تقف في وجه كلمة قالها الشعب وآن أوانها. بملء الفم وبكل ثقة أستطيع القول ان الثورة السورية هزمت روسيا وهزمت إيران وأسقطت استراتيجياتهما في المنطقة وسيوقن العالم ان الشعب السوري هو من سيعيد رسم خارطة العلاقات الدولية وليس روسيا او إيران. السؤال ما مؤشرات هزيمتهم ؟؟

بالنسبة لروسيا لم تحقق عملياً أهدافها حتى الهدف الأساسي الذي تذرعت به وهو محاربة الإرهاب والقضاء على داعش بالتأكيد لم يتحقق بل ان تدخلها زاد من وتيرة تنامي الإرهاب في المنطقة، وبالنسبة لهدفها الإستراتيجي الآخر وهو توسيع مجالها الحيوي بعد أن ضاق بشكل كبير ومحاولة إعادة رسم خارطة العلاقات الدولية من جديد ومحاولة استعادة أمجاد الحقبة السوفيتية أيضاً سقط هذا الهدف، وهي الآن في وضع لا تحسد عليه ولقد عبر عن حالتها الآن وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون عندما وصف بوتين بقوله بأنه المنبوذ دولياً والعالق في المستنقع السوري، وانتقل دولياً من موقع المهاجم الى موقع المدافع وبدأ بسياسة الاستجداء وتوفيق الأوضاع مع تركيا وبعض دول الخليج العربي، ويبدو أن بوتين وعى ذاته وأخذ بالنصيحة التي تقول إذا كنت تريد الرحيل فمن الأفضل أن ترحل خلال الهدنة لأنك ان رحلت فستبدو فائزاً ولو رحلت أثناء المعارك فستبدو هارباً، لذلك طرحت روسيا مبادرات دبلوماسية مصحوبة بمبادرات اقتصادية في محاولة منها للخروج من المستنقع السوري بأقل الخسائر الممكنة وبعض المكاسب الاقتصادية فقد استثمرت قطر 11،5بليون دولار في شركة روسنفنت المنتج الأكبر للنفط في روسيا.

أما بالنسبة لهدف روسيا الآخر وهو حماية نظام بشار الأسد لقد فشلت في ذلك، فالمعارضة المسلحة مازالت تسيطر على الأرض التي حررتها وروسيا لم تحقق أي نصر عسكري حتى أن حلب الشرقية لم تسقط عسكرياً، ومن ناحية أخرى ان استطاعت روسيا مساعدة الأسد عسكرياً فهي لن تستطيع دعمه اقتصادياً لأنه شارف على الإفلاس ولم يتبق في الخزينة السورية من العملة الصعبة سوى 700 مليون دولار .. صحيح ان روسيا أخرت سقوط النظام إلا أنها لم تمنعه من السقوط وهي تدرك تماماً هذه الحقيقة، خاصة وأن روسيا أصيبت بالذعر بعدما عرفت أن الفصائل المسلحة المعارضة الآن تعيد حساباتها وتعكف على تغيير خارطتها واعادة هيكلة نفسها والسير نحو التوحد وتغيير استراتيجيتها القتالية من الحرب النظامية إلى الحرب الثورية، هذه الحرب التي ترعب روسيا وتعيدها بالذاكرة إلى حرب أفغانستان.

بحق ان الثورة السورية ثورة عظيمة فهي أسقطت كل الاستراتيجيات المعادية للعرب والعروبة، وبسقوط نظام الجزار بشار الأسد سيسقط مشروع دولي تعددت أطرافه وتداخلت فيه المصالح.

سقطت الإستراتيجية الروسية وذهبت أهدافها أدراج الرياح، وبدأت تشعر بمرارة الكعكة المسمومة التي تناولتها، كما سقط المشروع الإيراني بعد ان بات قاب قوسين او أدنى من إعادة رسم خارطة المنطقة وإحياء مشروع الدولة الصفوية الجديدة، وسقطت إستراتيجية تقسيم سورية .

نعم ستنتصر الثورة السورية وسينتصر بنصرها العرب كل العرب، وستدرك الشعوب العربية أن الشعب السوري ضحى من أجلها ودافع عنها ووقف بوجه أعتى قوة عسكرية في المنطقة مستخدمة كل أنواع الأسلحة والمحرمة دولياً، وليعلم العالم أجمع وهو في حالة صمته او اندهاشه ان السوريين سيظلون أوفياء للمبادئ التي انطلقوا من أجلها، أوفياء لمستقبل أطفال سورية بل أطفال الأمة العربية من أجل بلوغ الغد المشرق الذي نبتت ازاهيره من خلال أتون ولهيب المعارك التي يخوضها هؤلاء الرجال، ليصنعون منها أساطير بل تصنع الأساطير منها، ويصنعون منها ملاحم بل تنبت الملاحم منها.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend