جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

ظاهرة المواطن المستأنس! – علاء الاسواني


حدثت هذه الواقعة منذ عشرين عاما، كنت أعمل طبيبا للأسنان فى إحدى الهيئات الحكومية وذات صباح كنت أعالج أحد الموظفين فى الهيئة، كان مستلقيا على كرسى الأسنان وقد فتح فمه وقد قمت بتركيب إطار معدنى حول ضرسه حتى أتمكن من وضع الحشو. بينما أنا منهمك فى العمل انفتح باب العيادة ودخل مدير الأمن فى الهيئة وفوجئت به يقول لى:
– من فضلك اصرف المريض حالا. السيد رئيس الهيئة نازل يعالج أسنانه.
قلت له:
– أمامى نصف ساعة من العمل حتى أصرف المريض.
– بل يجب أن تصرفه حالا لأن السيد رئيس الهيئة فى طريقه للعيادة.
كان مدير الأمن يتحدث بلهجة آمرة مستفزة فقلت له:
– لا يمكن أن أترك المريض وضرسه مفتوح. كان الأولى بالسيد رئيس الهيئة أن يتصل بى عن طريق السكرتارية لتحديد موعد.
ابتسم مدير الأمن فى سخرية وقال:
– السيد رئيس الهيئة لا يحدد مواعيد. عندما يريد سيادته أن يعالج أسنانه يجب أن تكون مستعدا.
– أنا لا أعمل عند رئيس الهيئة، وإنما أعمل فى هيئة حكومية هو رئيسها.
قال مدير الأمن بلهجة قاطعة:
– لآخر مرة.. اصرف هذا المريض لأن السيد رئيس الهيئة قادم.
صحت فى وجهه:
– لن أصرف المريض قبل أن أتم علاجه.
كان المريض فاتحا فمه وقد عجز عن الكلام وفوجئت به يصدر أصواتا ويشير إلىَّ، فقمت بفك الإطار المعدنى من فمه. عندئذ قفز الموظف من الكرسى ووجه حديثه إلى مدير الأمن قائلا:
– أنا تحت أمر البك رئيس الهيئة. قل لسيادته يتفضل حالا وأنا أبقى أكمل علاجى فى وقت آخر.
لم يكتف الموظف بذلك، بل خرج بنفسه مع مدير الأمن ليكون فى استقبال رئيس الهيئة واصطحبه بنفسه إلى عيادة الأسنان، ولم ينصرف قبل أن يسأله:
– تأمرنى بحاجة يا سعادة البك؟!
أحسست بإحباط بالغ من موقف الموظف. لقد حاولت أن أدافع عن كرامته، لكنه خذلنى ورحب بالمعاملة المهينة من رئيس الهيئة.. لقد اتخذت الموقف الصحيح، لكن هذا الموظف تعود على المهانة. إن التمسك بالكرامة فى نظره نوع من الحماقة أو الجنون وهو لم يعد يرى أبعد من مصالحه المادية: أن التزلف إلى رئيس الهيئة سيدر عليه العلاوات والامتيازات، بينما الدفاع عن الحق سيكلفه ثمناً باهظاً لا يطيقه ولا يريده.
هذه الواقعة القديمة أستعيدها الآن وأنا أحاول فهم ما يحدث فى مصر.. لقد قام المصريون بثورة كبرى يعتبرها العديد من أساتذة التاريخ والعلوم السياسية من أعظم الثورات فى التاريخ. ملايين المصريين نزلوا إلى الشوارع، تحملوا الضرب والسحل والانتهاك والقتل والدهس بسيارات الشرطة وفقء العيون بالخرطوش. قدموا آلاف المصابين والشهداء من أجل استرداد الحرية والكرامة، وفى النهاية انتصروا وأجبروا الطاغية على التخلى عن السلطة. السؤال: كيف يحدث بعد هذه الثورة العظيمة أن يتقدم أحمد شفيق تابع الديكتاتور المخلوع وتلميذه المخلص للترشح للرئاسة؟!
الإجابة أن المجلس العسكرى قاوم التغيير وحافظ على نظام مبارك الذى نفذ بدوره مخططاً دقيقاً لإجهاض الثورة المصرية. تعمد تشويه سمعة الثوار والتنكيل بهم فى مذابح متلاحقة، ومن ناحية أخرى تم إنهاك الشعب بأزمات مفتعلة، وفى النهاية تم الدفع بأحمد شفيق ليكون رئيسا لمصر بأى طريقة وأى ثمن. لقد تم تعطيل قانون العزل وحماية شفيق من المحاكمة فى 35 قضية فساد تلاحقه وتم تزوير الانتخابات من أجله، وسوف يتم تزوير جولة الإعادة من أجله أيضا.
المجلس العسكرى يصر على الدفع بأحمد شفيق للرئاسة ليحمى مصالح العسكر ويعيد النظام القديم كما كان وغالبا أسوأ مما كان.. المجلس العسكرى هو المسؤول الأول عن تعطيل التغيير وتعثر الثورة. كل هذا صحيح لكنه غير كاف لتفسير ما يحدث. الانفلات الأمنى والأزمات المصطنعة وارتفاع الاسعار، كل هذه المشكلات لماذا دفعت بعض المصريين إلى كراهية الثورة، بينما الثوار الذين تعرضوا إلى مذابح متتالية على أيدى الشرطة والجيش لم تنكسر إرادتهم ولم يتزعزع إيمانهم بالثورة؟! لماذا يلعن أحد المصريين الثورة لأنه لا يجد البنزين لسيارته، بينما الدكتور أحمد حرارة الذى فقد عينيه الاثنتين فى الثورة يظل مبتسماً ولا تزيده تضحيته إلا إخلاصاً لمبادئه؟!
هنا يتبين لنا أن المصريين لا يقفون جميعاً على نفس المسافة من الثورة. إن الثورة المصرية – مثل كل الثورات – لم يشترك فيها الشعب كله. بعد الثورة انقسم الشعب إلى ثلاثة أقسام:
أولا: الثوريون. هؤلاء عازمون على استكمال الثورة مهما تكن التضحيات.
ثانيا: أتباع النظام الساقط «الفلول»، وهؤلاء سيقاتلون بشراسة من أجل استعادة النظام القديم حرصاً على مصالحهم وخوفاً من المحاكمة على جرائمهم إذا وصلت الثورة إلى الحكم.
ثالثا: المواطنون المستأنسون «مثل الموظف الذى كنت أعالجه».. هؤلاء استطاعوا التواؤم مع النظام الفاسد بطريقة ما وتوصلوا إلى طريقة لتسيير حياتهم ولم يكونوا مستعدين لدفع ثمن التغيير. إن الأغلبية العظمى من المصريين لا يزالون يدعمون الثورة، لكن علينا أن نعترف بأن المواطنين المستأنسين يشكلون فى مصر أقلية معتبرة. لقد فاجأتهم الثورة وأذهلتهم وهم لم يشتركوا فيها وإنما تفرجوا عليها فى التليفزيون، وكأنها مباراة كرة قدم، فلما تأكدوا من خلع مبارك نزلوا بأولادهم إلى الميادين ليلتقطوا الصور التذكارية.
المواطنون المستأنسون هم أكثر من تأثروا بالدعاية ضد الثورة وأكثر من أصابهم الحنق من توالى الأزمات المصطنعة وهم الآن يجاهرون بلعن الثورة والثوار. لماذا يلعن هؤلاء المستأنسون الثورة مع أنها لم تتول الحكم يوماً واحداً، ولماذا لا يوجهون غضبهم إلى المجلس العسكرى الذى قام بمهام رئيس الجمهورية وبالتالى يكون المسؤول الأول بعد خلع مبارك؟!.. قد يكون المواطنون المستأنسون مفتقرين إلى الوعى السياسى، لكننى أعتقد أنهم من البداية لم يحبوا الثورة قط.
لقد تواءموا وقاموا بتوفيق أوضاع حياتهم مع الفساد، تشوهت المعانى فى أذهانهم، فأصبحت الشجاعة حماقة والجبن حكمة والنفاق لباقة.. المواطنون المستأنسون لا يرتبطون بالضرورة بمصالح مباشرة مع نظام مبارك، لكنهم صنعوا شبكات الفساد الخاصة بهم التى مكنتهم من كسب الأموال بطريقة غير قانونية أو على الأقل غير أخلاقية.. الموظفون الصغار المرتشون المنتشرون فى الإدارات الحكومية. أطباء المستشفيات الحكومية الذين يرغمون المرضى الفقراء على الذهاب لعياداتهم الخاصة.. المدرسون الذين يبتزون التلاميذ من أجل إعطائهم دروساً خصوصية.. الإعلاميون المتعاملون مع أمن الدولة الذين يضللون الرأى العام وينشرون الأكاذيب دفاعاً عن النظام. هل نتوقع من أمثال هؤلاء أن يدعموا الثورة؟!
الطبيعى أن يكرهوا الثورة لأنها تكشفهم أمام أنفسهم. لقد انحرفوا بعد أن أقنعوا أنفسهم بأن التغيير مستحيل، وبأنهم لن يصلحوا الكون، وبالتالى عليهم أن يتخلوا عن مبادئهم ويتقبلوا الإذلال حتى يعيشوا ويربوا أولادهم. فجأة وجدوا مصريين آخرين يعانون من نفس ظروفهم يصرون على الحرية ويموتون من أجل كرامتهم.
إن المواطنين المستأنسين بقدر ما أصابهم التشوه الأخلاقى بتأثير نظام مبارك إلا أنهم يشكلون جمهور المشجعين للثورة المضادة، وهم على استعداد لتجاهل الحقائق من أجل انقضاء الثورة حتى يعود كل شىء كما كان. هؤلاء الذين رأوا بأعينهم بنات مصر يسحلن وتنتهك أعراضهن بواسطة أفراد الجيش، فما كان منهم إلا أن لاموا الضحية وتساءلوا بكل وقاحة: لماذا نزلت البنات إلى المظاهرة أساسا؟
هؤلاء الذين رأوا مدرعات الجيش تدهس المتظاهرين فى ماسبيرو فكذبوا أعينهم واتهموا الأقباط بمهاجمة الجيش.. وهم أنفسهم الذين يتجاهلون الآن أن ترشيح أحمد شفيق مخالف للمنطق والقانون وأنه مسؤول عن قتل الشهداء فى موقعة الجمل وتهريب أموال مبارك وأولاده. المستأنسون يدعمون شفيق ويقولون إنه سيستعيد الأمن وهم يقصدون بالأمن النظام القديم الذى أفسدهم وتواءموا معه ويتوقون إليه.
لقد وضعت الثورة المجتمع المصرى أمام المرآة فظهرت التشوهات الجسيمة التى تركها فينا نظام مبارك، وفى نفس الوقت فإن إصرار المجلس العسكرى على الدفع بشفيق إلى رئاسة الجمهورية كان بمثابة المشهد الأخير الكاشف حين تسقط الأقنعة عن الجميع.. بينما تدفق ملايين المصريين الثوريين إلى الشوارع يرفضون عودة نظام مبارك من جديد على يد شفيق فإن المواطنين المستأنسين قد كشفوا عن مدى انتهازيتهم وكراهيتهم للثورة، ما إن تبين أن شفيق هو رئيس مصر القادم – بالتزوير – حتى تغير موقف مثقفين معروفين من تأييد الثورة إلى تأييد شفيق طمعاً فى مناصب يحلمون بتوليها من زمان. بعض الصحفيين الذين طالما دعموا الثورة تحولوا إلى الترويج لأحمد شفيق فى شكل حوارات تليفزيونية كانت بمثابة إعلانات صريحة لا نعلم من قبض ثمنها. حتى القنوات التليفزيونية الخاصة التى انحازت للثورة تحولت الآن إلى الترويج لشفيق ومنعت أى نقد يوجه إليه، إذ إن أصحاب هذه القنوات رجال أعمال يعلمون أن رضا الرئيس القادم سيدر عليهم ذهبا.
هذه لحظة الحقيقة. بينما ضرب المصريون الثوريون نموذجاً للعالم كله فى الشجاعة والتضحية من أجل الحرية والكرامة، فإن المواطنين المستأنسين لم يفهموا الثورة ولم يكونوا بحاجة إليها وهم فى الواقع لا يستحقونها، إنهم مذعنون فاسدون كل ما يشغلهم غنائمهم الرخيصة ومصالحهم الضيقة.. الصراع الآن بين الثورة ونظام مبارك الذى استوعب الصدمة الأولى وأعاد تنظيم صفوفه وهو يشن هجوما ضاريا ليستعيد السلطة على يد شفيق.. على أن ذلك يجب ألا يدفعنا إلى التشاؤم لأن الثورة تغيير عميق ما إن يبدأ حتى يمتد حتماً فى النهاية إلى كل جوانب المجتمع.
إن الثورات قد تتعثر خطواتها لكنها لا تنهزم أبدا. الثورة سلوك إنسانى فريد إذا تحقق لابد أن يستمر. الثورة معناها أن يفضل الإنسان فى لحظة ما مبادئه على مصالحه، أن يكسر حاجز الخوف ويتقبل الموت من أجل الحرية.. الثورة ميلاد جديد للشعب يتطهر فيه من أدرانه وأخطائه جميعاً ليبدأ حياة نظيفة عادلة وحرة. إن الروح التى تبعثها الثورة فى الأمة لا تموت أبداً مهما كثرت المؤامرات وتعددت المذابح.. الثورة مستمرة بإذن الله حتى تنتصر وتحقق أهدافها.
الديمقراطية هى الحل.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend