جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

دمشق.. إذ تحمل الراية – د. وائل مرزا

«لولا دمشق لما كانت طليطلة ولا زهت ببني العباس بغدان».
لو قال هذا شاعر من دمشق لكانت شهادته مجروحة بالتأكيد، لكن مصداقية عالية تكمن في معاني الكلمات ودلالاتها حين نتذكر أن من قالها هو أمير الشعراء أحمد شوقي، من مصر المحروسة حفظها الله من كل سوء.
لا يعرف أحد مثل ثوار دمشق فضل أقرانهم من أبطال حوران وحمص والساحل وحماة وإدلب ودير الزور والقامشلي وحلب والحسكة والسويداء. لا يجادلون في مقامات العطاء والتضحية والفداء والصبر والعزيمة والإصرار الذي أظهره أولئك الأبطال على مدى خمسة عشر شهرا من عمر الثورة. بل إنهم يعلنونها واضحة صريحة جلية لا تقبل التأويل: «لو أن ثوار سوريا خارج دمشق لم يحملوا الراية طوال تلك الشهور، لما كان بإمكان الثورة أن تستمر بأي شكل من الأشكال. هذه حقيقة سجلها التاريخ بسطور من ذهب، ولن يكون بإمكان أحد تغييرها أو تزويرها أو التلاعب بها على الإطلاق».
لكن هذا لا يتضارب مع حقيقة أخرى تتمثل في أن شرارة أساسية من شرارات الثورة انطلقت من قلب دمشق التجاري في منطقة (الحريقة) مبكرا بتاريخ 17 فبراير عام 2011. حصل هذا الحدث الاستراتيجي الذي كان بداية أولى لكسر حاجز الخوف حين خرج قرابة 1500 شخص من المواطنين والتجار بعد أن اعتدى رجال الشرطة في المنطقة على أحد المواطنين، وكان ذروة التعبير وقتها عن الاحتجاج على سرقات رجال الأمن التي كانت تحصل بأساليب مختلفة.
لهذا، بدأت المظاهرة أولا بهتاف «حرامية.. حرامية». ثم جاءت لحظة نادرة من لحظات التحول التاريخية التي يحسبها الكثيرون صغيرة، لكن تأثيرها حساس جدا في رسم مصائر الشعوب، وذلك حين تجرأ مواطن لأول مرة في تاريخ دمشق المعاصر وهتف قائلا: «الشعب السوري مابينذل»، ليلتقط الآخرون الرسالة ويصبح الهتاف المذكور جماعيا، ثم ينقلب بعد ذلك ليصير أيقونة رمزية ورصاصة معنوية أساسية في قلب النظام يكررها الثوار حتى الآن.
ثمة سجل مكتوب وموثق للمظاهرات التي خرجت مبكرا مع بدايات الثورة في كل من الميدان وكفر سوسة والمزة والبرزة وشارع بغداد وأبورمانة والصالحية والشاغور والحجر الأسود وركن الدين ونهر عيشة والقابون وحي القنوات والقدم وباب توما والقيمرية وجوبر والمزرعة والمالكي والشعلان والمهاجرين والبرامكة والزاهرة. وثمة سجل آخر مكتوب وموثق لفعاليات الحراك السلمي الأخرى المتنوعة والمبدعة، التي بدأت أيضا في مرحلة مبكرة. لكن طرح هذه القضايا بالتفصيل سيأتي في وقته.
رغم هذا، يمكن القول إن كل تلك النشاطات كانت بمثابة عمليات تحضير وتدريب وتجربة وتحفيز وتنظيم، كان من المحتم أن تأخذ وقتها الطبيعي في خضم وضع أمني خانق فرضه النظام على العاصمة منذ اللحظة الأولى لاندلاع الثورة ولا يزال. ومن المهم جدا التأكيد هنا وبصراحة على أن القائمين على تلك النشاطات كانوا أقلية في المجتمع الدمشقي لأسباب اجتماعية واقتصادية معروفة، إضافة للظروف الأمنية البالغة الصعوبة.
لكن الحساس في الموضوع أن مثل هذه التحولات التاريخية لا تبدأ، في ظرف له خصوصية الثورة السورية، بمشاركة شرائح عددية كبرى، كما كان الحال في مصر التي لم تسمح تركيبة نظامها السياسي والعسكري بممارسة القتل الجماعي الواسع منذ اللحظة الأولى. وإنما تنطلق بمبادرة شريحة متميزة جدا على المستوى النوعي.
تمثلت هذه الشريحة في دمشق بشباب الطبقة الوسطى العريقة اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وحضاريا، ورغم الإرث الثقيل الذي خلفته عقود الظلام السابقة على جيل الشباب بشكل عام، كانت هذه الشريحة تحديدا مشبعة بإرث حضاري وثقافي عريق وأقوى ظل بمثابة المكون الأساسي للشخصية، وأصبح الحامل الذي يطلق كل هذا الكمون الذي رأيناه عندما حانت اللحظة التاريخية المناسبة، إضافة إلى هذا مكنت الوفرة الاقتصادية الجيدة أصحاب هذه الشريحة من امتلاك قدرة متقدمة على المعرفة بتقنيات العصر وأدواته ولغته الجديدة، خاصة في مجالات الإدارة والتنظيم وتكنولوجيا المعلومات.
وهكذا اجتمعت للشريحة التي نتحدث عنها جميع الظروف الموضوعية التي مكنتها من أن تصبح تدريجيا نقطة ارتكاز أساسية لانقلاب دمشق على النظام تدريجيا. وحصل هذا من خلال شبكات متطورة من التنظيم والتخطيط والتواصل تتميز بدرجة عالية من الإبداع والابتكار ستصبح، حين يأتي وقت الحديث في تفاصيلها، مثالا مدهشا للعالم بأسره على ما يمكن أن يقدمه الإنسان، حين تجتمع في شخصيته العراقة الثقافية الحضارية مع المعرفة الشاملة بأدوات العالم المعاصر ولغته ومنطقه الخاص.
لا بد بطبيعة الحال أن نضع هذا التحليل في سياق عملية توزيع الأدوار التي حصلت بين ثوار سوريا على المستويين الجغرافي والزماني، لندرك كيف تطورت الأمور من خلال تلك العملية لنصل إلى هذه المرحلة، حيث تتسلم دمشق الآن، وفي الوقت المناسب، راية الثورة السورية.
من السخافة بمكان طبعا الادعاء بأن هذه العملية تعني التقليل من أهمية الدور الذي ستقوم به المناطق الأخرى في سوريا، بل الأمر على العكس من ذلك تماما؛ لأن من الطبيعي سياسيا أن تكون الضربة القاضية للنظام في العاصمة، لكن هذا لا يمكن أن يحدث في معزل عن إنهاك مرتكزاته وقدراته الأمنية والعسكرية والاقتصادية، فضلا عن تحطيم معنوياته نفسيا، من خلال دفعه إلى تشتيتها إلى أقصى حد ممكن جغرافيا، وهو ما حصل ويحصل ويجب أن يحصل أكثر في المرحلة القادمة.
ثمة تعليقات كثيرة ستقال عن هذا المقال، سيشفق البعض مثلا من إمكانية (المبالغة) في الكلام، وسيخشى آخرون من مظنة (شوفينية) فيه. أما البعض الثالث فقد يخاف من إيحاءات (مناطقية) تحذر الثورة من ترسيخها بأي درجة من الدرجات. والحقيقة أن التحليل المطروح أعلاه يستند إلى كثير من الوقائع والمعلومات والمعطيات، سواء كان الأمر يتعلق بما جرى منها، أو بما سيجري في قادم الأيام.
رغم هذا، يبقى مرجحا أن أي منطق نطرحه هنا سيحتاج إلى شهادة تاريخ قادم في نهاية المطاف.
من هنا، نترك الأمر لذلك التاريخ، وقبل هذا لفهم شمولي متكامل نعتقد أن الثورة أوجدته لدى شرائح واسعة من أبناء المجتمع السوري.
وقد ينفع في هذا الإطار أن نعود مرة أخرى إلى إشارات استطاع أمير الشعراء أن يلتقطها عن دمشق منذ قرن من الزمان، بنظرته التاريخية الثاقبة، علها تساعد البعض فيدركوا دلالاتها بعد كل هذا التاريخ:
«وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق. جزاكم ذو الجلال بني دمشق وعز الشرق أوله دمشق».

موقع العرب

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend