جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

سوريا والفاتورة الروسية – حسين شبكشي

المتمعن في المشهد العالمي ومواقف الدول الكبرى المؤثرة بخصوص الثورة السورية الكبرى ضد نظام بشار الأسد، لا بد أن يقف مطولا لمحاولة فهم وبالتالي تبرير الموقف الروسي تحديدا ودعمه المطلق لبشار الأسد بالسلاح السياسي والدبلوماسي والاستخباراتي والعسكري أيضا، وذلك على الرغم من تزايد نقمة الرأي العام العالمي بسبب وتيرة جرائم نظام دمشق الطاغية بحق شعبه واتساع دائرة القناعة بأهمية وضرورة زواله.

روسيا تبحث عن الثمن المقابل لتغيير موقفها من الثورة السورية. تقليديا كانت روسيا إبان حقبة الاتحاد السوفياتي الدولة الأكثر استخداما لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن بالأمم المتحدة، وهي الأكثر تخليا عن حلفائها؛ فعلتها من قبل مع معمر القذافي وصدام حسين وميلوسيفيتش، وبالتالي إمكانية «الاستغناء» عن بشار الأسد ونظامه من جهة روسيا واردة جدا إذا كان بمقدورنا الحكم بما تم في السابق من قبلها بحق غيره. روسيا تبحث عن صفقة تؤمن لها مدخلا وممرا صريحا وآمنا لغازها يمر بالأراضي السورية إلى البحر المتوسط، وكذلك تبحث عن موقع قدم طويل الأمد كقاعدة عسكرية على ضفاف المتوسط أيضا ليكون عينا لها على القارة الأوروبية لتستعيد به وجودا رمزيا حرمت منه نتاج التوسع الكبير وازدياد نفوذ الحلف الأطلسي. وروسيا ترى ضرورة دعم «القوى الأخرى» الخارجة عن النفوذ الغربي التقليدي، فعلى الصعيد الاقتصادي، هي تدعم وبقوة شديدة دول «البريكس»، وهي مجموعة البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا كتكتل اقتصادي «بديل» عن المعسكر الغربي، له توجهات وتطلعات مختلفة، وهي ستواصل دعمه حتى يتحقق ذلك، وفي الوقت نفسه تدعم روسيا وبقوة شديدة جدا مجموعة «شنغهاي» التي تضم دولا مثل الصين وروسيا وكازاخستان وغيرها من الدول، واليوم يدعو هذا التكتل أفغانستان للدخول فيه، وهذا سيكون بالطبع مفاجئا وحتى مذهلا للكثيرين، وترغب روسيا في أن يتنامى دور هذا التكتل ليكون بديلا عصريا وحديثا وعمليا لحلف وارسو الذي طواه الزمن مع سقوط الاتحاد السوفياتي.

روسيا لديها قناعة قوية اليوم، وخصوصا في حقبة فلاديمير بوتين رئيسها الحالي القادم من ظل رئاسة الوزراء الشرفية، أنها لا بد أن تترجم تقدمها الاقتصادي المتنامي بتوسع في نفوذها السياسي عالميا، ولكنها إلى الآن لم تتمكن من ذلك وتعتقد أنه لم يحالفها الحظ لتحقيق نجاحات اقتصادية مهمة مثل الصين والهند، حيث مكنتهما أن يكون لديهما نفوذ عالمي متنام.

روسيا اقتصاديا لا تزال تعتمد بشكل رئيسي على عوائد النفط والغاز والذهب والماس، وهي جميعا مصادر طبيعية، ولكن لا يوجد لروسيا نفس الحظ من عوائد الصناعات المختلفة في قطاع الدفاع والطيران والفضاء والسيارات والقطارات والمعدات الثقيلة، وهي مسألة مقلقة جدا للروس وحكومتهم لأن هذه القطاعات تحديدا هي صاحبة النصيب الأكبر في أرقام التوظيف، وهذه مسألة مهمة للغاية في مجتمع تتنامى فيه نسبة البطالة بدرجة مقلقة قد تكون أحد مصادر التهديد الأمني مستقبلا، خصوصا في وسط جاليات الأقليات الإثنية المنتشرة وسط روسيا الاتحادية.

هذه الأسباب ستجعل من إصرار وعناد الروس كبيرا في الحفاظ على جيوب من التأثير في مناطق «تصريف» لمنتجاتها لدى دول مثل فنزويلا وإيران وسوريا على سبيل المثال، وتتناسى كل التحفظات والمعارضة الدولية بحق أنظمة الحكم في هذه الدول. أما الملف السوري، وتحديدا نظام الأسد، لديها فيجري الإعداد «الأخير» لسداد ثمن فاتورة صفقة روسيا للاستغناء عن بشار الأسد، لأن معالم التفاصيل بدأت تتضح مع وجود هيكل جديد للمجلس الوطني السوري وقبول عام عالمي للاستغناء عن بشار الأسد وعدم التمسك به وازدياد واضح في دعم الجيش الحر وازدياد قوته وتأثيره. روسيا ترغب في الفاتورة والثمن، ومتى ما تحقق ذلك الأمر تكون «خلصت القصة»، والثمن أولا وأخيرا بالنسبة لروسيا هو اقتصادي، بعيدا عن كل الشعارات والمبادئ والأهداف.

الشرق الاوسط

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend