دعم الثوار لا التدخل العسكري – عبد الرحمن الراشد

عارض هنري كيسنجر، الذي كان وزير خارجية أميركا قبل أكثر من ثلاثة عقود ولا يزال من أبرز أصحاب الرأي المؤثرين، دعوات التدخل ضد نظام الأسد في سوريا. كتب في مقاله في «واشنطن بوست» يقر بأن التدخل وإسقاط النظام يصب في المصلحة الأميركية الاستراتيجية لمحاصرة إيران وينسجم مع الحاجة الإنسانية لوقف مجازر النظام ضد شعبه، لكنه مع هذا لا يؤيد التدخل لإسقاط النظام. رأيه مبني على أن مبدأ التدخل – قانونيا – خاطئ، على اعتبار أن ما يحدث في سوريا شأن داخلي، وأن رغبة شعب في التحول إلى الديمقراطية ليست مبررا لأميركا للتدخل من أجله، وقد يحرف التدخل سياسة الولايات المتحدة عن قواعد عملها. كما يسرد كيسنجر محاذير كمبررات للإحجام عن التدخل، مثل أن أميركا تسعى للخروج من العراق وأفغانستان، فلماذا تورط نفسها بالدخول في سوريا؟ وهي جربت ودعمت المجاهدين في أفغانستان وأصبحوا مشكلة ضدها لاحقا، وأن الدخول في بلد من أجل إسقاط نظامه، وهي لا تعرف البدائل فيه، مغامرة خطيرة. وأن الرأي العام الأميركي لم تعد عنده شهية لأي تدخل عسكري.

وأهمية ما كتبه كيسنجر، عدا عن كونه صدى لمقالات مماثلة، تكمن في توقيته. فقد كان من المتوقع في الأيام الماضية أن تعلن إدارة أوباما سياستها تجاه سوريا، وكنا ننتظر أن تعلن سياسة دعم الشعب السوري لإسقاط النظام.

ردا على ما قاله كيسنجر لن أناقش مفهوم التدخل العسكري المباشر، لأن هذا ليس المطلوب في المرحلة الحالية، فالمأمول دعم السوريين ليقوموا بأنفسهم بالدفاع عن أنفسهم ومواجهة قوات النظام المتوحشة. نحن نعرف أن هناك دعما يصل إلى الثوار، معلومات ومساعدات مادية وتسليحية، لكنها شحيحة.

كيسنجر محق في أنه ليست وظيفة الولايات المتحدة التدخل في بلدان العالم لتحديد طبيعة النظام المطلوب، لكنه مخطئ في اعتبار سوريا حالة تدخل تحت هذا العنوان. عمليا، النظام – كما نعرفه – انتهى في العام الماضي، ولم تعد هناك نفس الدولة السورية التي حكمت 40 عاما. نحن الآن نتحدث عن نظام فاشل، أي شبه ساقط، والبلاد في شبه حرب أهلية، لهذا نتوقع من كل الأطراف المعنية التعاون في إدارة الأزمة حتى لا تتسع، ومساعدة السوريين ليختاروا النظام الذي يريدونه. نظام الأسد نفسه يعرف أنه انتهى، وأن ما يفعله الآن محاولة لكي يكون طرفا في ترتيبات ما بعد دفن جنازته. يريد تمزيق البلاد وتحويلها إلى صومال آخر، والثوار يريدون وراثته، يريدون كامل الدولة. وبالتالي، عندما نتحدث عن إسقاط نظام الأسد فهو ليس تدخلا في بلد مستقر من أجل تغيير نظامه كما صوره كيسنجر في مقاله.

الحقيقة، كلهم يتدخلون في سوريا الآن لهذا الغرض، بما في ذلك روسيا وإيران والجهاديون، يريدون التأثير على مرحلة ما بعد سقوط الأسد، فلماذا نترك الشعب السوري مائدة مفتوحة لهذه الأطراف السيئة التي لا تتفق مع غالبية الشعب السوري. لقد قضى النظام على نفسه عندما اختار الحل العسكري ورفض تماما الحل السياسي. فشل عندما استمرت المظاهرات، وبدأت الانشقاقات العسكرية، وظهر الجيش الحر، وانتشرت المواجهات في أنحاء البلاد. الآن نحن نرى 70 في المائة من البلاد فيها عمليات عسكرية، وهذا يعني أن النظام فقد شرعيته وهيمنته.

دعم الثوار السوريين يحقق الأهداف المهمة التالية:

تثبيت مرجعية وشرعية المعارضة المعروفة، وتقليص فرص الجماعات المعارضة الأخرى المشبوهة، ولا ننسى أن إيران استخدمت «القاعدة» ضد حلفائها العراقيين في العراق واللبنانيين في لبنان من قبل، وقد تكون وراء بعض هذه الجماعات في سوريا. والهدف الآخر للتدخل هو الحفاظ على وحدة سوريا والضغط على الثوار إلى مرحلة التوافق، بما يحافظ كذلك على مؤسسات البلاد من ضمنها الجيش والأمن، ويؤمن استقرار سوريا والمنطقة. إن هذه الأهداف تخدم المجتمع الدولي، وقبل ذلك تخدم كل الشعب السوري، بكل مكوناته. البديل الآخر سيكون تفتت سوريا.. حينها يخسر الجميع.

الشرق الاوسط

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend