سوريا ولعنة الجغرافية ـ غازي دحمان

يشير تأكيد قادة الدول الثمانية الكبار، في قمتهم الأخيرة في كمب ديفيد، على ضرورة الحل السلمي والانتقال في سوريا واعتباره الخيار المفضل والوحيد، على أن العالم لم يعد يملك أي فعالية في الملف السوري، وهو يحيل الأزمة إلى حالة من الاستنزاف الطويل الأمد، لعل ذلك يفرز واقعاً جديداً يكون قابلاً للتفاوض والمساومة… وربما التكيف.
ما يعزز هذا الافتراض حقيقة أن قادة الدول الثمانية الكبار يملكون إطلاعاً معمقاً على واقع الأزمة في سوريا، ويعرفون أن إمكانية الحل السلمي وعملية انتقال السلطة مسألة غير واردة في تفكير النظام ولا في حساباته، كما يدركون أن أركان السلطة الذين يتهمون الشعب كله بالإرهاب ويحرضون العالم على مساعدتهم لمحاربة هذا الشعب، وأنهم تالياً لديهم الاستعداد لارتكاب الأهوال والمجازر، لن يفكروا بالتنازل عن السلطة ولا حتى عن أدنى مستوياتها، ولهم في حزمة الإصلاحات التي يجريها النظام خير مثال على ذلك.
ثم ان هذا النظام الذي لم يعترف حتى اللحظة بثورة الشعب على الظلم والقهر، ويصر على أن الثوار ليسوا سوى أفراد مغرر بهم وإرهابيين يتلقون الدعم من السعودية وقطر وتركيا، وحتى من حكومة لبنان الحليفة، بل ويذهب إلى إحصائهم بالواحد “تسعة وخمسون ألفاً” على ما يدعي فيصل المقداد نائب وزير الخارجية، وهم حسب التوصيف كلهم من الخارجين عن القانون، وبقية الشعب هانئة وراضية ومسبحة بحكم الأسد، ثم يقول نجري إصلاحات، هل في كل ذلك ثمة منطق سياسي سليم وعقلاني!.
أم هل هي مؤامرة على الشعب، كما بات يردد الكثيرون في الشارع السوري، رغم كل ما يجلبه هذا النمط من التفكير من شبهة الاقتراب من نظرية المؤامرة “سيئة الصيت”، غير أن ثمة من بات يفكر بشكل جدي بنظرية أخرى، لتفسير هذا الخليط المتنافر، وهي نظرية “لعنة الجغرافيا” بسبب التجاور الجغرافي بين سوريا وإسرائيل، بالنظر للقداسة التي تتمتع بها إسرائيل في الوجدان الغربي عموماً، والحرص تالياً على كل ما من شأنه حماية أمنها ومصالحها.
ثمة مؤشرات عدة على تطبيق مندرجات هذه النظرية في الواقع السوري، وربما يشكل عدد الضحايا من قتلى وجرحى ومخفيين ومسجونين مؤشرات مؤلمة لحجم المأساة التي تعيشها سوريا الآن، لكن مؤشرات المأساة أخطر من ذلك بكثير وأكثر ألماً، ذلك أن سوريا تشهد تفككاً بطيئاً ولكنه حثيث للكيان الدولتي فيها، وهي ليس بعيدة عن المرحلة التي ستتسارع فيها عملية التفكك، كما أن ارتفاع وتيرة القمع ورفع منسوب الدم سيدفعان بعد فترة، قد لا تطول، إلى نوع من الفوضى التي يصعب ضبطها في عقود قادمة، ذلك أن النظام الذي قتل وهجّر كل قادة الحراك السلمي، ليثبت روايته المزعومة عن لا سلمية الثورة، جهّز المجال لتعبيرات أخرى ربما تدفعها حاجتها إلى الدفاع عن الوجود والكرامة والعرض إلى انتهاج طرق وأساليب متطرفة، هذا ناهيك عن نهوض الدين الشعبي وسيطرته على المزاج العام وتأثيره المباشر في الحراك.
وفوق هذا وذاك بدأت مؤشرات التراجع في المجتمع السوري تظهر على السطح بشكل فاقع ومرعب، من زيادة نسبة الفقر والاحباط إلى تسرب التلاميذ من مدارسهم وجامعاتهم، وصولاً إلى ندرة حالات الزاوج على ما لاحظ مختصون ومهتمون بالشأن الاجتماعي.
ماذا يعني ذلك؟، مؤقتاً أن المجتمع السوري دخل مرحلة العطالة على كل المستويات، الأمر الذي سيدفع المجتمع إلى الحالة البؤرية بحثاً عن الأمان وايجاد حل لأزمته، أي إلى الحالة الما قبل وطنية، حيث تتحول العائلة والعشيرة والطائفة إلى ملاذات آمنة، الأمر الذي ستتشكل معه لبنات التفكك الأولى في الهيكل السوري.
التفسير الوحيد لهذه الحالة، هو أن لا ضمانات لإسرائيل في الداخل السوري إلا عائلة الأسد أو… لا أحد، بمعنى أنه لا يعود هناك مبرر لوجود سوريا الدولة.

المستقبل اللبناني

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend