جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

ذكريات القلم – الأديب علي الطنطاوي


هذه مقتطفات أنتقيها لكم من مقالة (ذكريات القلم) للشيخ علي الطنطاوي من مذكراته (225 / 3) وهو يصور فيها بطولة أهل الشام وأطفالها ضد المحتل الفرنسي وكيف كانوا يجاهدون الدبابات الفرنسية بصدورهم العارية و بـ (الله أكبر).. فانتصروا.. فالله أكبر.. ما أشبه الليلة بالبارحة

الزمان: 1935 – 1936م

المكان: دمشق
 


أحلف لو أن ما جرى في دمشق في هذه الأيام جرى في فرنسا أو ألمانيا أو إنكلترا, أو في أيّ بلد من بلاد الله العامرة, لكُتب فيه عشرات من الكتب والروايات ومئات من القصائد والمقالات, ولخُلّدت حوادثه تخليدا وصُوّرت مشاهده تصويرا, وصارت حديثا يَسري في الأجيال الآتية فينفخ فيها روح البطولة والتضحية ويبثّ فيها العّزة والكرامة. وبمثل هذا تتربى الشعوب وتقوى وتسمو هذا السموّ الذي نراه في بعض البلاد التي نعدّها راقية ونقتدي بها
****

ألم يحرك هؤلاء الأدباء أنّ دمشق تلبث خمسين يوما مضربة, مغلقة حوانيتها مقفرة أسواقها كأنها موسكو حين دخول نابليون, فتعطلت تجارة التاجر وصناعة الصانع, وعاش هذا الشعب الفقير على الخبز وطوى ليلة جائعا ولم يجد الخبز, ثم لم يرتفع صوت واحد بالشكوى ولم يفكر رجل أو امرأة أو طفل بالتذّمر والضجر, بل كانوا جميعا من العالم إلى الجاهل ومن الكبير إلى الصغير ومن الرجل إلى المرأة ومن الشيوخ إلى الأطفال, كانوا جميعا راضين مبتهجين, يمشون ورؤوسهم مرفوعة وجباههم عالية اعتزازا وفخرا. ولم يسمع أن دكانا من هذه الدكاكين قد مست أو تعدى عليها أحد, ولم يسمع أن لصا قد مد يده إلى مال, حتى اللصوص شملهم الإضراب فانقطعوا عن صنعتهم, برغم أن أغنى الأسواق وأعظمها في دمشق قد بقيت أياما وليالي مطفأة الأنوار ليس عليها حارس ولا خفير! فهل قرأ أحد أو علم أحد, أن بلدا في أوربا أو في أميركا أو المريخ, يسير فيها اللصوص جياعا ولا يمدون أيديهم إلى المال المعروض حرمة للواجب الوطني ومراقبة لله واحتسابا لثوابه؟

****

وقد بقي الأولاد في المعسكر العام (في الجامع الأموي) أياما طويلة يراقبون حالة البلد وينظرون من يفتح محله, فإذا فتح أغلقوه, وقد اتفق (رأيت ذلك بعيني) أن بائع حلويات مشهورا قد فتح محله, فجاء بعض الأولاد بصدور البقلاوة والكنافة من مخزنه إلى المسجد وتشاوروا: ماذا يفعلون بها؟ فقال أحدهم: نأكلها عقابا له. فصاحوا به: اخرس, إننا لسنا بلصوص! ثم أرجعوها إليه بعد دقائق وما فيهم إلا جائع. أفلم يحرّككم هذا أيها الأدباء؟ وهل قرأتم أن صبيان باريس وبرلين ولندن فعلوا مثله؟

****

وأطفال دمشق, مَن رأى كالأطفال؟ من فَعَل فِعل الأطفال؟ من ذا الذي لم يسمع بأعمال الأطفال ولم يرَ مظاهرات الأطفال؟ لقد رأينا طفلاً يسيل الدم من رأسه, رأيته أنا وقد وضع يسراه على رأسه يمنع بها الدم وأخذ الحجر بيمينه يضرب بها جند المستعمرين, وعمره أقل من عشر سنين! لقد حدثني أحد الأصدقاء أنه كان مارا في سوق مدحت باشا, وهو من الأسواق التجارية الكبيرة في دمشق, فسأل الأطفال وكانوا مرابطين فيه يحرسونه: هل تسمحون لي يا أولادي أن أمرّ؟ قالوا: إذا كنت تستطيع أن تمشي بين العسكر مرفوع الرأس وتحملق فيهم فمر, وإذا كنت تخفض رأسك وتنحني تخاف فارجع

*****

فنفد الصبر المختزن وانفجر الغضب المكتوم, لا لأنه فخري البارودي بل لأن اختطافه كان كالقشة التي زعموا أنها قصمت ظهر البعير والقطرة التي فاضت منها الكأس, والقطرة قطرة ولكن الكأس كانت ملأى, وأقبل أبناء دمشق بأيديهم وأقبلَت هذه الجيوش بحديدها ونارها, وكانت المعارك التي يصطرع فيها الحقّ والقوّة, والدم والنار, والصدور والحديد, فبينما معركة من هذه المعارك على أشدّ ما تكون عليه وإذا… وإذا ماذا؟ ليس على وجه الأرض من يستطيع أن يقدّر ماذا كان إلا هؤلاء الشاميون الذين رأوا ذلك بأعينهم, وكنت أنا ممّن رأى ذلك بعينه, وهؤلاء الفرنسيون الذين أكبروا جميعا هذه البطولة التي لم يروِ مثلَها تاريخ

خمسون من الأطفال لا تتجاوز سن أكبرهم التاسعة, أطفال مدرسة حضانة ينبعون من بين الناس, يخرجون من بين الأرجل, منهم التلميذ ذو الصدرية السوداء والأزرار اللامعة قد فرّ من مدرسته وحقيبتُه ما تزال معلّقة بعنقه وحمل مسطرته بيده, ومنهم صبيّ اللحام وأجير الخبّاز, قد اتحدوا جميعا وأقبلوا يهجمون بالمساطر على الدبابة, وهي تطلق النار وهم يطلقون من حناجرهم الرقيقة بأصواتهم الناعمة, التي تشبه الآلة السحرية التي عزف عليها الفارابي في مجلس سيف الدولة فأضحك و أبكى, يطلقون هذه الأنشودة البلدية المعروفة

وِصغارنا تِحمِل خَناجِر

وِكبارنا ع َ الحَرب واصِل

يا بِالوطَن يا بِالكَفَن

فوقف الناس ينظرون إليهم وقد عراهم ذهول عجيب, فارتخت أيديهم بالحجارة التي كانوا يقاومون بها الرصاص, حتى رأوا الأطفال قد تسلقوا الدبابة وركبوها. هل تريدون أن أقسم لكم أن هذا المشهد كان واقعاً وأنني كنت ممّن رآه؟ رأيت الأطفال قد تسلقوا الدبّابة وهي تطلق النار من مدافعها, فلما رأى الناس ذلك اشتعل الدم في عروقهم وفي أقحاف رؤوسهم, فأنشدوا أنشودة الموت المعروفة في الشام: (يا سباع َ البر ِّ حومِي…) وهم يُرعدون بها فتهتزّ من جَهجّهتا (صحية الحرب) الغوطة ويرتجف قاسيون, وأقبلوا كالسيل الدفـّاع. ولكنهم رأوا عجبا ً, رأوا الدبابة قد كفـّت عن الضرب, ثم انفتح برجها وخرج منه شابّ فرنسي يبسم للأطفال وفي عينيه أثر الدمع من التأثر, ويداعبهم ويقدّم لهم قطعة من الشوكولاتة ثم يعود إلى مخبئه. إنسانية قد توجد حتى في الدبابات

*****

ورأيت في هؤلاء الصبية تلميذا في شعبة الأطفال من مدرستنا, وكان صغيرا جدا ما أظنّه قد اكتمل عامة السابع, فدعوتـُه فأقبل حتى أخذ بيدي وجعل يرفع رأسه إلي يحاول أن يتثبـّت من وجهي, فقلت: لماذا عملتم هذا يا بابا؟ فقال: أخذوا فخغي الباغودي (يريد فخري البارودي). قلت: ومن قال لك ذلك؟ قال: أمي, وقالت لي: هاللي يموت بالغصاص (أي بالرصاص) يغوخ (أي يروح) عالجنة. قلت: وإذا أرجعوا فخري البارودي هل ترضى؟ قال: لا, خلي يغوحوا (يروحوا) ما بدنا إياهم (يريد: فليذهب هؤلاء أيضا, لا نريدهم). فسكتّ فقال: أستاذ ليش الإسلام ما لهم عسكغ (أي عسكر)؟ فأصابتني كلمته في القلب, ووجدت كأنّ شيئا جاشت به نفسي ثم صعد إلى رأسي ثم وجدته في قصبة أنفي وآماق عيني, ودقّ قلبي دقا شديدا فتجلـّدت ومسحت عيني وحككت أنفي وقلت له: أنتم يا بابا عسكر الإسلام. قال: نحن صغار. قلت: ستكبرون يا بابا, أنتم أحسن منّا, نحن لمّا كنّا صغارا كنّا نخشى البـُعبـُع ونخشى القط الأسود, وأنتم تهجمون على الدبابة, فالمستقبل لكم لا لهم

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend