التخدير الاجتماعي – د.خالص جلبي

 

التخدير في العمليات يعتمد غياب الوعي، فيقولون عن الإنسان إنه مخدر. نفس الشيء يحصل للمجتمعات فتغيب عن الوعي، ويمكن أن يتحكم بها مراهق سياسي كما هو الحال في سوريا لمدة عشر سنين عجاف.
وكما يحصل في التخدير الفردي بحقن الإنسان بالمورفين وشالات العضلات؛ فيمكن أن يحصل نفس الشيء للأمة؛ فتحقن بمعسول الكلام والدعاية الخلابة الكذابة، وأخيراً الشلل بكزاز المخابرات. وكما يحصل في التخدير أو التنويم الاجتماعي؛ فقد يطول حسب عمل المخدر ومقدار تأثير الجرعة، كذلك يمكن أن يحصل هذا للأمم؛ فتنام على أحلام السندباد البحري وقصص ألف ليلة لمدة ألف سنة.
روعة التخدير أن الإنسان يتحول إلى جثة، وفظاعة النوم الاجتماعي أنه يحول المجتمع إلى مقبرة. وهو ما حصل في سوريا المنكوبة بيد البعثيين والطائفيين البغيضين.
وخطورة التخدير أن الجرّاح يمكن أن يخصي ويبتر ويقطع ويستأصل ويزيل من جسم المخدر ما يريد، بدون أن يشعر الخاضع للتخدير أنه لحقه شيء.
كذلك الحال في المجتمعات التي تقع في مجاعات الوعي ومتاهات الفكر فتقع في قبضة الطاغية والطغيان إلى حين من الزمن.
وحين تسترد الوعي المغيب في الزمن فتنتفض يبدأ التحول الجذري في التغيير.
استفدنا من (مالك بن نبي) و(جوستاف لوبون) أن التحركات الشعبية ليست بالضرورة دليل يقظة الأمة؛ فقد تكون اختلاجات لا حركات وعي مبرمجة، ونحن نعرف هذا في العناية المركزة حين نلمح المريض المصاب برض على الرأس وهو يهذي، أو يضرب برجليه، ويحرك يديه، أنه لا يشكل دليلاً على اليقظة، كذلك حال الأمم إلى حين استرداد الوعي ولو بعد حين.
تعبير التنويم الاجتماعي استفدناه من عالم الاجتماع العراقي (علي الوردي) فقد تكلم عن ظاهرة غياب الوعي الاجتماعي وكيف يتم تخدير الأمة ودفعها للشلل فترة تطول أو تقصر من الزمن. ومن يقوم بإعطاء الأمة حقنة اليقظة هم المصلحون الاجتماعيون بخلاصات فكرية، ثم الناشطون الاجتماعيون (The Activist).
وهنا نلاحظ تراكباً بين المحللين المنظرين والناشطين الميدانيين الذين يكملون عمل الكبار المحللين كما يركب الرأس فوق الجسد ما يشبه رياضيات التفاضل والتكامل، أو النجاح المطبق بين النية الصالحة والعمل الصالح: القوة والأمانة. العنصر النفسي والمادي.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend