دمشق وأصحاب القبعات الزرق – رزان زيتونة

تبدو دمشق اليوم وكأنها في حالة فصام، ففي شوارعها وساحاتها الرئيسية وبين الأبنية والشرفات علقت حبال تتدلى منها لافتات برتقالية وصفراء وبيضاء بعبارات كاريكاتيرية تتحدث عن «الغد المشرق» و«المشاركة» و«البناء».. وتشوهت جدرانها بصور مرشحي النظام لمجلسه القادم يطلون ببراءة من لم يعلم ولن يعلم لأنه غير قادر على التعلم أصلا. بضع مئات من الصور ترغب في منافسة آلاف الوجوه التي انطبعت في الذاكرة لأشخاص فقدناهم خلال سنة مضت قنصا وقصفا. خيم «انتخابية» نصبت في عدد من الطرقات لتنافس آلاف الجنازات التي تتحول في كل مرة لجنازات جديدة بشهداء جدد.

تكاد دمشق تنحني قهرا لإثقالها بكل هذا العار الذي يرغب في الادعاء أن شيئا لم يكن، وأن العاصمة لا تزال تحمل أوتاد النظام مغروزة في قلبها وقلوبنا، وأن خطة أنان لا يعيبها أن النظام يتصرف كما لو أنه باق للأبد، ويستبيح دمشق حصنه الأخير، ويهزأ بنا جميعا كلما صادفت نظرنا عبارة «مرشحكم عن الفئة…».

لكن، في دمشق أيضا، قام النشطاء برفع صور مرشحيهم من الفئة «شين»، صور شهداء الحرية، إلى جانب وفوق صور مرشحي مجلس القتل في جميع الأحياء والمناطق. وفي دمشق أيضا، اعتقل العشرات خلال الأيام القليلة الماضية في حراك هو الأجمل لشباب وصبايا حملة «أوقفوا القتل». من اعتصامات صامتة أمام القصر العدلي وساحة المرجة والبرلمان وغيرها إلى اللافتات الحمراء في الزاهرة. و«الرجل البخاخ» زاد عدد كلماته وعباراته على الجدران. جميل كشاعر، شجاع كفارس، يتنقل بريشته ليكتب دمشق حرفا حرفا بمفردات الحرية.

قطع الشبان الطرقات ليلا بالإطارات المشتعلة وأضاءوا سماء دمشق بأمل خلاصها، واستشهد الشاب عدي جنبلاط عندما أرعبت تلك الأنوار قوات وأمن النظام ففتحت نيرانها على من أناروها.

استشهد خلال الأيام القليلة الأولى من شهر مايو (أيار) أكثر من 20 شخصا في مناطق مختلفة من دمشق. انتفضت خلال هذه الأيام كفرسوسة وثارت التضامن ودف الشوك وقصفت بساتين برزة بالأسلحة الثقيلة ونزل الآلاف إلى الشوارع في تلك الأحياء متظاهرين ثم مشيعين، وفي كل مرة هاتفين بإسقاط النظام ومتجهين خطوة أخرى نحو كلمة دمشق التي لم تقل كاملة بعد.

حجم العنف الممارس خلال الأيام الماضية تجاه المناطق المنتفضة في دمشق يوحي برعب النظام من يقظة العاصمة وحراكها. والسادة المراقبون، بأعدادهم المثيرة للأسف، يفضلون التوجه إلى المناطق «الساخنة»، لعمل جولات مراقبة تهدأ خلالها عمليات القصف والقنص – وفي أحيان لا تهدأ – لتعاود عملها فور مغادرتهم إلى منطقة جديدة.

يقول أرباب السياسة من داعمي خطة أنان: إن وجود المراقبين من شأنه أن يمنح الفرصة للحراك السلمي كي يكبر، خاصة في العاصمتين السياسية والاقتصادية، وإن كان الأمر كذلك، فليس هنالك من مبرر للانتظار حتى تصبح دمشق «منطقة ساخنة»، ويسقط فيها مئات الشهداء الجدد وتستخدم الأسلحة الثقيلة ضد أحيائها وتستحضر ردود فعل واشتباكات، ثم نأتي بالمراقبين كي يفيدونا بعدد خروقات كل طرف لمبادرة أنان في اليوم الواحد.

دمشق على مرجل، وحراكها لا يزال الأكثر سلمية وتنوعا في المشاركة من مختلف الفئات والطوائف والأعمار في سوريا كلها. وهو إذ يزحف كل يوم نحو المركز فإن ما يواجهه من عنف يؤخره الآن وقد يحرفه عن مسيره غدا.

أفضل ما يمكن أن يفعله أصحاب القبعات الزرق هو التواجد هناك في قلب دمشق، بدل الانتظار أن تصبح منطقة «ساخنة» بمفهوم المراقبين، ربما يعجل ذلك بإنهاء حالة الفصام التي تعيشها العاصمة، بين قلبها المنهك بصور المرشحين وخيمهم الانتخابية وأطرافها المشتعلة شوقا للحرية.

الشرق الأوسط

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend