جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

بدائل الحل السياسي! – بقلم: ميشيل كيلو

باختصار شديد، ثمة بديلان لوضع سوريا السياسي الحالي ولأزمتها القائمة، إذا ما استمر الاحتجاز الراهن، الذي يحول دون بلوغ حل سياسي تقبله أطرافها المتصارعة. هذان البديلان هما: حرب داخلية ثم إقليمية ضارية ومديدة، أو صدام دولي بين القوى العظمى، يبدو أنه لن يقع إلا بعد أن تكون الحرب الداخلية والإقليمية قد دمرت الزرع والضرع، وقضت على نصف الشعب، وعلى دولة سوريا ومجتمعها، إلا إذا تلطف الله بنا وحدث ما لا نتوقعه، ووجد حل أو فرط النظام.

أما احتمال الاقتتال الداخلي، فهو كبير إلى درجة يصعب تجاهلها، لأسباب كثيرة، منها رهانات القوى العربية والإقليمية المتناقضة في سوريا، ورفض قسم من الدول المنخرطة في المسألة السورية قيام نظام ديمقراطي فيها، وتصميم الشعب على عدم الاستسلام للوضع الراهن وعزمه على التحرر منه بأي ثمن، وصعوبة دخول القوى الكبرى المباشر إلى الصراع وانخراطها غير المباشر والمتزايد فيه، في ظل تحوله إلى صراع بينها تشارك فيه قوى إقليمية كبيرة كتركيا وإيران والسعودية، الأمر الذي يقلب صراع الكبار إلى صراع بين السوريين، من مستلزماته استمرار نظامهم في ممارسة قتلهم الأعمى، وتكفله بتعزيز انقسامهم إلى معسكرات متناحرة مقتتلة، يصعب أو يستحيل رأب الصدوع التي تحدثها حلوله الأمنية بينها، فكيف إن تمت تغذيتها بتناقضات وأحقاد طائفية ومذهبية منفلتة من عقالها، تترجم إلى عمليات قتل مفتوح ومتبادل، يأخذ أكثر فأكثر صورة إبادة تطاول البشر وما يملكون، ويجعل السلاح مطلب الجميع، بما يفتح أبواب البلاد أمام كل راغب في التدخل وممارسة العنف والقتل، شريطة أن يكون هدفه قتل المزيد فالمزيد من المواطنات والمواطنين: من الجنسين وعلى الهوية. بكلام آخر: بعد أن حولت سياسات النظام بلادنا إلى ساحة مفتوحة بالعنف أمام كل من هب ودب، لم يعد هناك ما يمنع أي طرف خارجي مهما كان صغيرا وتافها من الدخول إليها وفعل ما تزين له مصالحه فعله فيها. والحال، إن سوريا ليست اليوم بلدا مستقلا، بل هي ساحة تتناطح وتتصارع فيها إرادات الأقربين والأبعدين، مع أن صراعاتهم تتخطى سوريا وأزمتها الذاتية، وإن تعينت نتائجها بالصراع الداخلي السوري، صراع شعب يريد الحرية والديمقراطية، لم يجد نظامه ردا عليه غير توريطه في مسائل لم تكن بين أهدافه، فرضها عليه حل أمني اعتمده أهل السلطة قمعا وكبحا لمطالبه المحقة، ولجره إلى ظلمات صراع إقليمي ودولي ليست له علاقة به ولا يرغب فيه، سيتم من الآن فصاعدا على حسابه، وسيجعله يدفع ثمنا هو في غنى عنه، سيضاف إلى ثمن جد مرتفع يرغمه نظام يرفضه بشدة على دفعه بالمدافع والصواريخ والدبابات والطائرات – وبعشرات آلاف الشهداء وملايين المهجّرين والمشردين ومئات ألوف المعتقلين والملاحقين والجرحى والمخفيين.

من المعروف أن السياسة التي تحول بلادها إلى ساحة تعجز عن إخراجها منها، وأن نجاحها الوحيد يقتصر عندئذ على فتح أبوابها أمام كل من يريد الدخول إليها علانية أو خلسة وتسللا، بل إن السياسة التي تفعل ذلك تستدعي المزيد فالمزيد من التدخل، لأن مصلحتها تكمن في بث أعظم قدر من الفوضى في بلادها، اعتقادا منها أن الفوضى تخيف الكبار أو تبلبل أدوارهم، وبالمقابل، فإنها، بتقويضها سلام بلادها الاجتماعي وتدمير مشتركات الشعب، تزيد دورهم في أية تسوية محتملة للصراع، لذلك لا يشغل بالها شيء قدر تعقيد أزمات وطنها وشحن العلاقات بين مواطنيها بالأحقاد، بقوة أجهزتها التي تكرس نفسها لهذا الغرض، وتتولى شحن القاع الاجتماعي بعناصر التفجر والخراب.

لم تعد سوريا منذ بداية الحراك الشعبي ضد النظام ساحة صراع بين السلطة والمعارضة وحدهما. إنها كذلك ميدان صراع بين قوى إقليمية ودولية متنوعة، تحجم اليوم عن التدخل المباشر، بقواها العسكرية الخاصة، في أزمتها، لكنها تركز أنظارها وجهدها على إطالة صراعها واستنزاف وتدمير دولتها ومجتمعها، وتحطيم ما فيها من أواصر طبيعية ومعطيات ثقافية وتاريخية. لبلوغ هذا، نراها ترسم حدودا يدور الصراع داخلها، فيها خطوط حمراء يمنع تجاوزها، نراها اليوم في علاقات إيران بتركيا والخليج، وروسيا بأميركا، ونلمس نتائجها في الصراع الدائر بين هذه القوى وفي ما بين مناصريها. لذلك، يمكننا القول: إن القتال السوري – السوري سيدوم للفترة الضرورية لإنضاج ظروف اتخاذ قرار خارجي حول ما يجب أن يؤول إليه مصير بلادنا، وإن السلاح سيتدفق عليها دون هوادة، لإقامة توازن قوى يحول دون حسم الصراع لصالح طرف من أطرافها، على أن يشبه التوازن الذي قام بين العراق وإيران طيلة سبعة أعوام من الحرب، قبل أن يتقرر حسمه في عامها الثامن.

متى تبلغ سوريا درجة تصير معها مؤهلة لتدخل خارجي مباشر؟ سيحدث هذا في حالات منها:

أن يتجه الصراع الداخلي نحو الحسم لصالح طرف دولي على حساب طرف آخر، دون أن يتمكن الحليف الداخلي للطرف الخاسر منع ذلك.

أن يبلغ الصراع درجة من الإشباع تقنع الأطراف الدولية بضرورة إنهائه، لأنه بدأ يدخل في طور يضر بمصالحها ويناقض حساباتها.

أن يتصاعد الوضع إلى حد تصعب معه السيطرة عليه، يهدد بتوريط الأطراف الخارجية جميعها أو بعضها في مأزق لا تريده.

أن يقتنع طرف دولي بأن الصراع بلغ حدوده القصوى، دون أن توافق بقية الأطراف على وقفه.

هذا يعني أن الصراع سيدور من حيث المبدأ، وفي معظمه، على يد وبواسطة القوى الداخلية، وأن سوريا هي التي ستدفع ثمنه المخيف، وأن أطرافه المحلية ليست هي الجهات التي ستتمكن من إيقافه، وأنه سيشهد تحولات كثيرة يصعب التنبؤ بها، وسيدوم لفترة غير قصيرة على الأرجح، كي لا تبقى سوريا بعده ما كانت عليه قبله، ومن يرد دليلا على ذلك فليراقب ما حدث لمدينة حمص خلال الشهرين الأخيرين، اللذين زالت المدينة أو كادت خلالهما من الوجود.

هل هناك مبالغة في ما أقول؟ أرجو ألا تكون فيه كلمة واحدة صحيحة، لكنني أرجح – لأسفي الشديد – أنه يصف الوضع الذي نذهب إليه منذ بعض الوقت، بعد أن تراكمت بصورة متزايدة المقومات الدولية والإقليمية والداخلية لذهابه إلى حيث أخشى أن يصل، وأصرخ هنا محذرا منه، قبل أن نبلغ حد الهاوية الأخير ويأخذنا النظام إلى أقلمة صراعه من أجل البقاء رغما عن شعبه عسكريا، بعد أن دوّله سياسيا، ولا يستبعد إطلاقا أن يتسبب في تدويله عسكريا أيضا.

لا بديل لحل سياسي في سوريا، إذا كنا لا نريد أن يتم تدمير مجتمعها وزوالها كدولة من الوجود. ولا بديل لنظام انتقالي يأخذنا إلى ما فيه إنقاذنا: دولة ديمقراطية، وحقوق إنسان ومواطن، ومجتمع موحد لا تمزق الخلافات في الرأي والمعتقد بناته وأبناءه، وشعب حر، عامل ومبدع!

عن الشرق الأوسط

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend